fr_FR Français

الحرّية الدينيّة في الإسلام – أمير المستوري - +

“لا إكراه في الدّين”

كخير أمّة أخرجت للنّاس,هل إلتزمنا بأوامر الله تعالى ؟و هل قمنا بواجبنا نحو الله,و نحو الإنسان ؟

في ظلّ التغيّرات الحاصلة في عالمنا اليوم,و أمام هذا السّير سريع الخطى الذي يجرفنا جميعا نحو العولمة و المعاصرة,وفي ظلّ واقع إسلاميّ مضطرب و متبدّل,صار الإسلام كدين و مثقافة محلّ تجاذبات و صراعات و اخرج عن قصد أو عن غير قصد عن مساره الصّحيح و غيّر جوهره و حيّد عن طريق الهداية و الإيمان القلبيّ الصّادق.

بين فهم سطحيّ و أحيانا متشدّد لأقول الله و رسوله الأكرم من جهة,و بين متطلّبات المعاصرة و مستلزمات الكونيّة المتلخّصة في قيم إنسانيّة جامعة للبشر على إختلافهم,يجد المسلمون أنفسهم ممزّقين معذّبين مهترئين و مرضى خوفا من ناحية على تراثهم من الإندثار و رغبة حثيثة في الصّعود و إكتساب القدرة على مسايرة الواقع من ناحية أخرى.بشكل أوضح,السّعي إلى التوفيق بين الماضي و الحاضر من أجل مستقبل أفضل,و ذلك بالمحافظة على الأصالة و السير نحو المعاصرة.معاصرة يكون نصيبنا فيها الإضافة و الفاعليّة بدلا عن النّكد و التغبّن و الوقوف على الأطلال.و لكن,هل بوسعنا تحقيق مرادنا هذا دون إثبات وجودنا كأمّة مختلفة عن سائر الأمم ؟

هل بوسعنا الإنخراط في الفعل الإنساني دون أن نكون أحرارا ؟ هل يكون من الممكن فتح أعيننا إلى أقصاها يمينا و شمالا,شرقا و غربا في غياب تامّ للحريّة ؟ و أيّة حريّة ننشد اليوم ؟

ما الحريّة الدينيّة و ما سبل إحقاقها من المنظور الإسلامي ؟

الحريّة إختيار الإنسان و قدره

“إنّنا عرضنا الأمانة على السماوات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و حملها الإنسان إنّه كان ظلوما جهولا”لنلاحظ جيّدا إستعمال فعل “عرض” و العرض هنا يفيد الإقتراح و الطلب و الدّعوة.عرض الله الأمانة”خلافته في الأرض” على السماوات و الأرض لكنّها أحجمت عن القبول بها خوفا و رهبة و إشفاقا منها.على عكس السماوات و الأرض,و في مطلق الحريّة,قبل الإنسان حمل الأمانة و لم يكن مرغما و لا مكرها على قبولها.لئن كانت هذه الاية في غاية الغموض و حمّالة لأبعاد و معان عديدة,فإنّها تكشف بوضوح أنّ الحريّة الإنسانيّة إنّما هي حريّة فطريّة جذّرها الله في خلقه.وَ

لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًاأَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ(99)وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِوَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ(100). يونس.

هل من قول أكثر صراحة ووضوحا من هذا القول ؟

أرادت مشيئة الله أن يكون الإختلاف سمة مميّزة للعنصر البشري.كان بوسعه أن ينير قلب كلّ إنسان بنور الإسلام.لكنّه خلق الإنسان عقلا مفكّرا و ذات واعية  و ترك له حقّ إختيار طريقه حسب قناعاته.{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) }

يقول المفكّر التونسي العميد محمّد الطّالبي في كتابه أمّة الوسط”يتّضح أن الله تجنّب إكراه الإنسان على الإيمان ولو شاء لفعل-و نهى رسوله عن أن يعمد إلى الإكراه.فهو يعلّمنا إحترام كرامة الشخصيّة الإنسانيّة.صارت الحريّة الدينيّة همّا فكريّا شغل بال جميع النّاس في كامل أرجاء العالم.كما إلتزم من أجل إحقاقها و الدّفاع عنها عديد المفكّرين الأحرار.

فكيف ساهمت الحريّة الدينيّة في إرساء السّلم العالميّة قائمة على التعايش و الوئام في المجتمعات المسلمة؟

الأندلس نموذجا

كانت الأندلس في عصرها الذّهبي مثالا يحتذى به في ما يتعلّق بالتعايش السّلمي بين المذاهب الدينيّة المختلفة بحيث لم يتمّ فرض الإسلام بالقّوة و بقي حقّ إختيار المعتقد مكفولا,ممّا يكشف عن أهميّة الإيمان بالحريّة الدينيّة و دورها في بناء مجتمع تضامني قوامه السلم و السلام.نورد في مقالنا هذا مقطعا مما ورد في كتاب”أمّة الوسط” للمؤرّخ التونسي محمّد الطّالبي.يتمثّل في وثيقة إسلام النّصراني”أشهد فلان بن فلان الإسلامي,شهداء هذا الكتاب,في صحّته و جواز أمره وثبات و عقله,أنّه نبذ دين النصرانية رغبة عنه,و دخل في دين الإسلام رغبة فيه.و شهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له,و أنّ محمّدا عبده و رسوله و خاتم رسله و أنّ المسيح عيسى ابن مريم صلّى الله عليه و سلّم,عبده و رسوله و كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.و اغتسل لإسلامه و صلّى…و كان إسلامه-طائعا امنا,غير فارّ من شيء,و لا مكره,ولا متوقّع لأمر-على يدي فلان الفلاني….”يمثّل هذا المقطع من وثيقة إسلام النصراني حجّة تاريخيّة دامغة تؤكّد على أنّ قسما من المسلمين القدامى,تعاملوا مع غير المسلمين بإحترام,إحترام الكرامة الإنسانيّة.في زمن غزت فيه المعاصرة البيوت غزوا و إجتاحت الحداثة فيه العقول إجتياحا ليس في مقدور الأمّة الإسلاميّة صدّه,أصبح من اللاّمعقول التغريد خارج السرب.

لقد أصبح من غير المنطقي بل من الخلف رفض المعاصرة بدعوى التمسّك بتراثنا و أصالتنا.إنّه لمن الوقاحة الرّضا بالبقاء معاصرين مرهقين مضطهدين تحت مرداس التخلّف و التعصّب الدّيني.إنّ المعاصرة مرتبطة إرتباطا وثيقا بالحريّة ذلك أنّه ليس بإمكان أيّ مجتمع بشري الإرتقاء بنفسه و أفراده متعبين تحت وطأة الإكراه الديني.إنّي لا أقصر الحريّة الدينيّة  على حريّة ممارسة الشعائر الدينية فحسب بل أختزل بذلك مجمل الحريّات المرتبطة بحريّة إختيار المعتقد و التنظّم و التنقّل و حريّة الوصول إلى المعلومة بما يضمن إحترام كرامة الإنسان.الحريّة الدينيّة هي أمّ الحريّات ذلك أنّها حريّة باطنيّة ذاتيّة نابعة عن إعتقاد شخصي إيماني قلبي روحي ووجداني غير مرتبط بزمان و لا مكان و لا ظرفيّة.و عليه فإنّها ولاّدة لطاقة تحثّ على الفعل الذي هدفه الإصلاح و أساسه إحترام حق الاخر في المغايرة.

ضرورة دسترة الحريّة الدينيّة

بغضّ النّظر عن الإختلاف الكبير الحاصل لدى المفكّرين و المحلّلين للأوضاع في البلاد العربيّة حيال طبيعة التحوّلات التي تمرّ بها بلداننا حيث يطعن البعض منهم في عفويّة التحرّكات الشعبيّة في تونس و تجد  من يصفها بالثورة الشعبيّة و منن ينعتها بالإنتفاضة و حتّى من يعتبرها إنقلابا أبيضا إلخ…بغضّ النّظر عن هذا الجدال العقيم,أجدني ملزما بالتنويه  إلى ضرورة دسترة الحريّة الدينيّة في الدستور المرتقب لتونس و لكلّ البلدان التي تنوي تنقيح دساتيرها أو إعادة صياغتها.لا تتعلّق المسألة بدسترة الحق في إختيار المعتقد لكل مواطن و مواطنة بل بإلزام الدولة بضمان هذا الحقّ و قطع الطريق أمام أيّة إمكانيّة لضرب حريّة المواطنين و حرمة حياتهم الشخصيّة.إنّ المجلس الوطني التأسيسي مدعوّ إلى الإقرار بأن لا شيء يمنع المواطنين من إعتناق أيّ معتقد كما لا شيء يمنعه من أن يكونوا لادينيّين أو أن يغيّروا ديانتهم.

ليست الحريّة الدينيّة حقّا إنسانيّا بل هي قدر الإنسان و عين وجوده.يتعيّن على المشرّع في تونس  تأسيس منظومة قانونيّة تنظّم الحريّة الدينيّة أساسها :-حريّة إختيار المعتقد-حريّة ممارسة الشعائر الدينيّة-حريّة تغيير المعتقد-حريّة التفكير في المسائل الدينيّة-منع تسييس دور العبادة-حماية الأديان و المجتمع من خطر التطرّف الفكري و التعصّب الدّينيفي الختام,

لا يسعنا إلاّ أن نؤكّد على قيمة الحريّة الدينيّة و ضرورة دسترتها و السّير بخطى ثابتة نحو مجتمع يؤصّل الحريّة و يحترم الإختلاف و يصنع منه ثروة…و أتسائل في النّهاية,ألا تكفي أقوال الله سبحانه و تعالى شيوخ بول البعير الوهابيّين لكي يقتنعوا أنّ الإسلام دين حريّة ؟ أم إنّ للمصالح و الصّفقات حسابات اخرى؟

لا يوجد أي تعليق حتى الآن.

ما رأيك؟

معهد خير الدين © 2017. جمیع الحقوق محفوظة.

Back to TOP