fr_FR Français

السوق الحرة : هل هي نهاية الأخلاق؟ - +

تهدف هذه المحاولة إلى رسم ملامح عامة لإشكال لطالما استأثرت بها حفيظة الباحثين في خضم معالجتهم للعلاقة المفصلية بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي، في أوجه العلاقة بين الاقتصاد ومنظومة القيم. لذا سنحاول محورة هذه الورقة حول قضية أساسية تهم العلاقة الجدلية بين الاقتصاد والأخلاق يمكن التعبير عنها بالسؤال التالي:

هل تفضي السوق الحرة كشكل من أشكال تطور اقتصاد السوق والمنظومة الرأسمالية، إلى انهيار منظومة الأخلاق وانحلالها؟

التماس الجواب لهذا السؤال يدفعنا بداية أن نحدد ولو بعجالة المعنى التي سنعطيه للمفاهيم المعتمدة في النقاش الذي سيدور عليه الحديث في هذه الورقة.

تعريفات:

تستهدف الأخلاق وصف وفهم وتعريف، فعل الإنسان الذي به يفرض على نفسه، ويضع نفسه موضع حرية بالنسبة للآخرين، وللعالم… وتحقق الأخلاق طبيعتها على نحو أفضل كلما نزعت إلى تحقيق منظومة علاقات فردية نستطيع صوغها في نظرية معقولة.

الأخلاق بهذا الاعتبار النظري، تتسق بصفات للنفس ميدانها شعور الإنسان الذي ينعكس على سلوكاته في علاقته بالآخر، وبالتالي هي تنظم العلاقات الاجتماعية حسب معايير وقيم نابعة غالبا من العرف والعادات الاجتماعية وتكمن في مثل الخير والفضيلة والإيخاء والعدل…

السوق الحرة هي نظام اقتصادي مبني على منظومة اقتصاد السوق المفتوح أمام رؤوس الأموال الخارجية، من أبرز غاياتها الاتجاه نحو تحرير الأسواق العالمية، بإعطاء فرص لزيادة الإنتاج الاقتصادي المحلي والعالمي، والرفع من نسب التبادل التجاري الدولي بدون قيود مسبقة. ووفقاً لتعريف البنك الدولى، تعتبر السوق الحرة “نظاماً تجارياً عالمياً مفتوحاً تزول فيه العوائق أمام حركة السلع والبضائع والخدمات وعوامل الإنتاج خاصة رأس المال عبر الحدود الدولية، وتغدو فيه التجارة الدولية الحرة والمتعددة الأطراف هي القاعدة وهذا يؤدى في النهاية إلى تكامل اقتصادي عالمى متزايد في أسواق السلع والخدمات ورأس المال”. إلى جانب ذلك من أبرز مميزات السوق الحرة الذود عن المصالح المشتركة بين الدول من خلال البحث عن حلول للمشاكل التي تعترض الأمن الصحي والبيئي العالمي، مثل حقوق الملكية، وانتشار الأوبئة، والأسلحة الفتاكة، إلى جانب مشاكل التلوث البيئي… بحيث تصبح مهمة مواجهة هذه الإشكاليات هاجسا مشتركا بين كافة الدول.

من خلال التعريفات السابقة يتضح جلاء الفرق بين مجال المفهومين، اقتصاد السوق والأخلاق، بدون أن يعني ذلك تعارضهما أو تنافرهما. فالأخلاق تتعلق بنية الفرد وبوجده، وهو المنتج لقيمها ومعناها، وهي المنظور القيمي للفرد في سلوكاته تجاه الأفراد الآخرين. أما السوق الحرة هي نظام اقتصادي يتعلق بسريان لرأس المال وفق منظومة تخضع لقيود معينة، لذا فقوام السوق الحرة هو مجال التجارة والتبادل السلعي والمالي.

فهل يمكن الحديث عن مجالات تداخل وتقاطع الأخلاق والسوق الحرة؟ هل تنفي السوق الحرة أي وجود للأخلاق؟

في الحاجة للأخلاق في السوق الحرة: 

إنه لمن المجازفة العلمية تعريف الأخلاق والسوق الحرة تعريفا مزدوجا يجعل المفهومين متسقين في مجالاتهما التداولية، فالمجال التداولي للأخلاق هو غير المجال التداولي للسوق الحرة. وهنا يجيبنا المفكر الفرنسي “أندريه كونت سبونفيل” حينما يقيم تمييزا بين الاقتصاد والأخلاق، بدون أن يعني ذلك نفي إحداهما للآخر. فقط لأن “الاقتصاد ليس شخصا حتى تكون له أخلاق نحن الذين يتعين علينا أن نكون أخلاقيين”. فالسوق الحرة هي تعبير عن مسار لرأس المال وفق نظام اقتصاد السوق الذي يهدف لخلق الثروة، إذن هو مسار يبتعد عن مشاعر ونية الأفراد حيث يمكن التعبير عن القيم الأخلاقية للفرد. فإذا كان هناك مجال للأخلاق في الاقتصاد فهذا المكان تحديدا مكانا للأفراد بحسب تعبير “أندريه سبونفيل”.

يأتي هذا الاستطراد الضروري منه، للرد على القائلين بأن الاقتصاد الرأسمالي والسوق الحرة هي مرتعا لأشكال الاستغلال الرأسمالي ونهب ثروات الدول الضعيفة، وشكل من أشكال الاستبداد الاقتصادي..، وبالتالي أي حديث عن الأخلاق في اقتصاد السوق هو كلام مجانب للصواب، ليس من السهل نفي هذا الكلام بيد أنه في نفس الوقت لا يمكن الانسياق وراءه بدون الاستقصاء على مدى صوابه.

إذا كان النظام الرأسمالي المبني على قيم اقتصاد السوق والتنافس الحر في استثمار رؤوس الأموال، يفتقد للوجه الإنساني على اعتبار أنها لا تضع من أولوياتها الجانب الاجتماعي والأخلاقي، فإن النظام الرأسمالي يعتبر أهم منظومة اقتصادية صمدت في وجه تحولات التاريخ واستطاعت أن تقيم حضارة إنسانية يتمتع داخلها الأفراد بمجالات واسعة من المساواة في الحقوق والواجبات والحرية. بخلاف الاشتراكية التي لطالما حاول مؤيدوها إبراز جانبها الاجتماعي من خلال تدخل الدولة في توفير الخدمات للأفراد في كافة مجالات عيشهم. لكن هذا النظام أفرز بيروقراطية نمطية تخفي وراءها شبكات من الفساد والاقتصاد الريعي وجد تعبيره في الأنظمة الاستبدادية التي كانت ترعى معظم الدول الاشتراكية.

وعليه يتضح أن السؤال الأخلاقي يندرج في صيغة: ماذا يجب أن أفعل؟ بينما السؤال الاقتصادي يندرج في صيغة: ماذا يمكنني أن أملك؟

في كتابه “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية” حاول ماكس فيبر، أن يبرز الدور الذي لعبته الأخلاق العليا والبنى الدينية، في نشوء النظام الرأسمالي من خلال دراسته للأخلاقيات الاقتصادية للدين وما يؤكد عليه الدين من قيم اقتصادية، لما يحث عليه من دوافع تجاه الإخلاص في العمل والتفاني فيه، والحماس المتزايد والروح المعنوية العالية بالشكل الذي يجعل العمل المهني هدفا فرديا ومطلبا أساسيا في حياته. وهنا يميز فيبر بين البروتستانتية والكاثوليكية في القرن 16، حيث تتميز الأولى بالحث على العمل الحر والادخار وتراكم الثروة، والدفع بالفرد إلى العمل والإخلاص فيه باعتباره جزء لا يتجزأ من التدين، بخلاف الكاثوليكية التي ترمي إلى الزهد والتقشف دون الاهتمام بالعمل الحر.

وبالتالي تعتبر روح الأخلاقية إحدى الروافد الأساسية لنشوء الرأسمالية وتطورها، من خلال التنظيم العقلاني الحر للعمل والإنتاج. فالسمات الأخلاقية مصاحبة للرأسمالية منذ نشأتها. وبالتالي فالسوق الحرة كتعبير عن تطور الرأسمالية من المفترض فيها من الناحية المبدئية أن تتسم بروح الأخلاق من خلال الأفراد المتحكمين في عمليتها.

آدم سميث أستاذ علم الأخلاق وصاحب أبرز النظريات الاقتصادية الرأسمالية  يقول في كتابه “نظرية الوجدان الأخلاقي”: “ينبغي على الرجل أن ينظر إلى نفسه على أنه مواطن في هذا العالم وعضو في جمهورية الطبيعة وليس فردا مستقلا ومنفصلا عن العالم، ومن أجل مصلحة هذا العالم الكبير ينبغي عليه طوعا أن يضحي بمصلحته الشخصية الصغيرة في كل الأوقات”.

السوق الحرة أو العولمة الاقتصادية كشأن يتعلق بما هو مادي، في حاجة دائمة للأخلاق كشأن روحي متعلق بسلوك الفرد النابع من شعوره ومدى تشبعه بقيم الخير في تجاه الأخر. أتفق مع الرأي القائل أن السوق الحرة مبنية على الطمع في التوسع الاقتصادي والرفع من الإنتاجية وسريان رأس المال بين الدول. قد يكون الطمع صفة سيئة أخلاقيا لكن لولا الطمع في الارتقاء بالذات وتطويرها لما اتجه صاحب رأس المال نحو استثمار أمواله، ولما أنشئت الشركات الخاصة التي تشغل اليد العاملة، ولن يتوفر الحافز لدى الأفراد في إنشاء المؤسسات الذات الطبيعة الخدماتية التي ينتفع بها الناس في مجالات الصحة والتغذية والتكنولوجية…، رغم ما تخفيه من رغبة في الحصول على الربح، لكنه فيه خير ومنافع للناس.

تصبح السوق الحرة هدامة حينما يغيب القانون وليس المقصود هنا شرعنة تدخل الدولة، ولكن المقصود القانون الذي يجعل من خلق الثروة محددا لخلق مجتمع إنساني. ولما كان القانون هو تعبير عن الالتزام الأخلاقي للفرد، بالتالي تحتاج السوق الرأسمالية الحرة إلى أخلاق وقيم كوازع التي ترسم الحدود بين ما يجوز وما لا يجوز، لكن من خارجها وليس من داخلها. ففي الاقتصاد لا نميز بين قرار أخلاقي وقرار غير أخلاقي، وبين استثمار أخلاقي واستثمار غير أخلاقي، ولكن نميز بين سلوك مفيد وآخر ضار، بين سلوك قانوني وآخر غير قانوني، وهو ما يعتمد على كيفية تصور الفرد للحياة الجيدة.

عبد الإله سطي 

مع  منبر الحرية

لا يوجد أي تعليق حتى الآن.

ما رأيك؟

معهد خير الدين © 2017. جمیع الحقوق محفوظة.

Back to TOP