fr_FR Français

اقتصاد السوق: نحو أسواق حرة ومسؤولة - +

الإنتاج، التبادل، والاستهلاك، تلك أنشطة لا تنفصل بحال من الأحوال عن باقي أشكال التحقق الإنساني في هذا العالم. لهذا فعندما يثير قلق الإنسان المعاصر السؤال الأخلاقي حول أسباب الانحلال والفساد لا يكون هناك بد من الوقوف عند النظم الاقتصادية من أجل مساءلتها ومراجعتها وتصحيحها إن لزم الأمر.

غير أن التحليل الموضوعي يلزمنا منذ البداية بتجاوز ثنائية الخير (الصواب) المطلق والشر (الخطيئة/الخطأ) المطلق، ذلك لأنه في كل تجربة اقتصادية هناك مكاسب تقربنا مما نعتبره صوابا وهناك بالمقابل أخطاء تنأى بنا عن تحقيق الكمال.

وعندما يتعلق الأمر بالأسواق الحرة، نجد أنها تساعد على ابتكار سلع وخدمات تمنحنا باستمرار خيارات أوسع لتحسين جودة الحياة. لكن السعي إلى الربح وحجم المخاطر في اللعبة الاقتصادية يولد ضغوطات تدفع الأفراد إلى جعل الالتزامات الأخلاقية في آخر المراتب على قائمة الأولويات.

من جهة ثانية، لا يمكن أن ننكر التأثير الايجابي لعمليات التبادل التجاري في تغيير(أو المساهمة في تغيير) التصورات الرجعية والقيم السلبية لدى بعض الشعوب، لكن التلاقح الثقافي ليس مأمون العواقب دوما، إذ يسفر في الكثير من الحالات عن خلخلة منظومة القيم الأصلية لدى الجماعة بزخم من التصورات الدخيلة التي سرعان ما تثبت إفلاسها الأخلاقي والاجتماعي في البلدان التي تصدرها، ويمكن أن نتحدث هنا عن وسائل الدعاية الإعلامية أو الانتاجات التلفزيونية والسينمائية التي تسوق لبضائعها وأفكارها بأفراد يتم انتقاؤهم وفق معايير جسدية وجمالية تقدم كنموذج للكمال، يحاول المستهلك التماهي معها وعندما يفشل يؤثر ذلك سلبا على تقديره لذاته وتقدير الآخرين له.

كما أن من شأن عملية التبادل السلمي للسلع والخدمات أن تفقد طابعها السلمي من خلال ترويج رؤى تفرضها وسائل الدعاية والإعلام أحيانا  كنموذج قيمي غير قابل للنقاش (كن مثلي أو لا تكن)، وهو ما يفسر إلى حد ما الحساسية المتزايدة لدى أطراف غربية تجاه الشريعة الإسلامية التي تضع قيودا صارمة على إنتاج واستهلاك بعض السلع والخدمات (الخمور،القمار،السجائر والمنتوجات الإباحية وغيرها).

إن فائض الربح الذي توفره الأسواق الحرة يمكن عددا متزايدا من الشركات من استثمار المزيد من الأموال في مشاريع خيرية تهدف إلى التخفيف من معاناة الأفراد الأكثر حرمانا في بقاع مختلفة من المعمورة، لكن يجب ألا نتجاهل أن جزء من فائض الربح ذاك تم توفيره بطرق تسببت في اشتداد وطأة المعاناة لدى أفراد آخرين، لنتحدث هنا عن تجارة الأسلحة التي تستفيد من  الصراعات المتأججة بين الأطياف السياسية  وبين الدول هنا وهناك، أو عن شركات الأمن الخاص وشركات إعادة الإعمار التي حسنت أرقام معاملاتها  بفضل عمليات التدخل العسكري أو الاحتلال كما هو الشأن في احتلال العراق منذ 2004 والى الآن..

يتضح إذن انه لكل جانب مشرق يقنعنا بالدفاع عن تجربة الأسواق الحرة وجه آخر مظلم يدفعنا إلى إعادة النظر والتفكير بالأمر. لكن من ينبغي أن يتحمل مسؤولية نواقص اقتصاد السوق؟ القيم التي أسس عليها منذ البداية؟الفاعلون الاقتصاديون؟ الأنظمة السياسية والحكومات؟أم الأفراد أنفسهم؟

حسنا، هناك قول شائع مفاده أنه لكي تحدث مشكلة ما ينبغي أن يتوفر أكثر من طرف.. وأقول أنه لكي يتم حل  المشكلة التي نحن بصددها ينبغي أن يتدخل أكثر من طرف إن لم تتدخل الأطراف كلها.

من الجيد توفير حرية الإنتاج والتبادل والاستهلاك، لكن حريتنا ينبغي أن تكون مسؤولة: نحن مسؤولون عن تأثير ما ننتجه على صحة البيئة ومعيش الأفراد على المدى القريب والبعيد، بل حتى على حق الأجيال اللاحقة في موارد طبيعية كافية على كوكب سليم.

إن مسؤوليتنا تشمل استهلاكنا أيضا، إذ نكون مسؤولين عن فقر ومعاناة الأفراد في الطرف الآخر من الكرة الأرضية عندما يكون حجم استهلاكنا ووتيرته دافعا لحرب شرسة (صريحة أو غير معلنة) حول الموارد لتوفير سلع وخدمات  أكثر بأثمنة أقل. وينبغي أن نضيف أن مسؤوليتنا تشمل حتى عملية التبادل نفسها، إذ تكون الشركات مسؤولة عن تضرر اقتصاديات الدول الأقل تقدما عندما توفر سلعا وخدمات بأسعار تنافسية جدا، وتحرم الأسواق المحلية من فرص تطوير منتجاتها وهو ما نلمسه من تأثير السوق الصينية على قطاع النسيج والألبسة الجاهزة في المغرب. ولا نحتاج في هذا السياق أن نذكر بحجم المخاطر التي يكون على الدول ذات الاقتصاديات الهشة أن تتكبدها جراء ارتباط الأسواق ببعضها البعض والذي  يضاعف تأثير الأزمات الاقتصادية على المؤسسات المالية والاقتصادية ويجعلها تنهار تباعا كقطع الدومينو كما حدث خلال الأزمة المالية الأخيرة.

علينا أن نقول إذن أن قيم الحرية والمبادرة الفردية والمخاطرة التي تقوم عليها الأسواق الحرة لا ينبغي أن تفهم بشكل جامد ومتحجر. إذ أصبح نظام السوق مطالبا  بان يتصف بالمرونة الكافية للانسجام مع قيمه الأساسية من جهة والاستجابة للمطالب الأخلاقية  التي تزداد إلحاحا من جهة ثانية.

إن للضعف البشري إزاء الضغوطات، والطمع والأنانية تأثيره في جعل الفاعلين الاقتصاديين فاعلين أيضا في تدهور الأخلاقيات المؤطرة للأنشطة الاقتصادية، ولن يكون الحديث عن تخليق الفعل الاقتصادي ذي جدوى دون التفكير في قوانين ملزمة تخفف الضغط على الفاعلين الاقتصاديين من خلال تحديد سقف معقول لما يمكن المجازفة به في اللعبة الاقتصادية، قوانين تضع رادعا لمنع طرق الإنتاج أو التسويق التي اتفق على كونها غير أخلاقية، وهنا يأتي دور الحكومات والساسة الذين يستفيدون في الكثير من الأحيان من دعم المستثمرين في تمويل حملاتهم الانتخابية من أجل غض الطرف عن تجاوزات هؤلاء المستثمرين أو تمرير قوانين لصالحهم. وتقع على عاتق الساسة مهمة توفير المرجعية القانونية والشرعية التي يستند عليها لإدانة أي فعل اقتصادي يوصف بكونه لا أخلاقيا (أو مؤديا إلى انحلال أخلاقي) ومحاسبة مرتكبيه.

لكننا نعلم انه حتى في ظل أفضل الأنظمة السياسية لا تكون الإرادة السياسية للتعامل مع مشكلة ما حقيقية إلا إذا كانت مدفوعة بإرادة الأفراد والفاعلين الاجتماعيين، ولنتأمل كشاهد على ذلك قرار الحكومة الألمانية  بتجميد كل مفاعلاتها النووية في أفق 2021  لإرضاء المطالبين بذلك خوفا من تراجع شعبية الائتلاف الحاكم في الانتخابات، وذلك بالرغم  من أن القرار سيكلف ألمانيا توفير أزيد من 20% من الطاقة من مصادر بديلة.

من هنا تقع على الفاعلين الاجتماعيين مسؤولية اتخاذ مواقف فعلية برفض السلع والخدمات وطرق الإنتاج والتسويق التي من شأنها المساس بما يعتبرونه أخلاقيا، وتشجيع كل مبادرة لتصحيح الفعل الاقتصادي و تخليقه، وقد يعترض على هذا القول بحجة أن الأفراد لا يتفقون حول ما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي، وقد يكون الأمر كذلك بالفعل، لكن علينا في كل وقت أن نترك للأفراد حرية التفكير والنقاش حول القيم الأخلاقية التي يريدون لها أن تؤطر أنشطتهم والعلاقات بينهم، وهو ما لا يفعله المنتجون حين يحيطون الفرد بكل أنواع السلع والخدمات، ولا وسائل الدعاية التي تبرمجه  هي الأخرى على التفكير من خلال تلك السلع والحكم من خلالها. وينبغي أن نقول إنصافا للحق أن الأفراد أنفسهم يساهمون في عملية التضليل تلك عندما يسمحون لأنفسهم بالانسياق ببساطة مع ما يقال ويعتقد ويتداول..يجب أن يتوقف الفاعلون الاجتماعيون عن إقناع أنفسهم بأن لعبة الإنتاج والدعاية أضخم من أن يؤثر بها المستهلك..

 نزهة مليحة 

مع  منبر الحرية

لا يوجد أي تعليق حتى الآن.

ما رأيك؟

معهد خير الدين © 2017. جمیع الحقوق محفوظة.

Back to TOP